الشنقيطي

114

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقال الشوكاني في نيل الأوطار : وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال : إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور ، ولا يجوز اطراحها بإلحاق العمد بها . ولهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب ، انتهى محل الغرض منه بلفظه . قوله تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [ 198 ] . لم يبين هنا ما هذا الفضل الذي لا جناح في ابتغائه أثناء الحج . وأشار في آيات أخر إلى أنه ربح التجارة كقوله : وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ المزمل : 20 ] ؛ لأن الضرب في الأرض عبارة عن السفر للتجارة ، فمعنى الآية : يسافرون يطلبون ربح التجارة . وقوله تعالى : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [ الجمعة : 10 ] أي : بالبيع والتجارة ، بدليل قوله قبله : وَذَرُوا الْبَيْعَ [ الجمعة : 9 ] أي : فإذا انقضت صلاة الجمعة فاطلبوا الربح الذي كان محرما عليكم عند النداء لها . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن غلبة إرادة المعنى المعين في القرآن تدل على أنه المراد ؛ لأن الحمل على الغالب أولى ، ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بالفضل المذكور في الآية ربح التجارة ، كما ذكرنا قوله تعالى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ [ 199 ] . لم يبين هنا المكان المأمور بالإفاضة منه المعبر عنه بلفظة حيث ، التي هي كلمة تدل على المكان ، كما تدل حين على الزمان . ولكنه يبين ذلك بقوله : فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ [ البقرة : 198 ] الآية . وسبب نزولها أن قريشا كانوا يقفون يوم عرفة بالمزدلفة ، ويقولون : نحن قطان بيت اللّه ، ولا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم ؛ لأن عرفات خارج عن الحرم وعامة الناس يقفون بعرفات ، فأمر اللّه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، والمسلمين ، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس « 1 » ، وهو عرفات ، لا من المزدلفة كفعل قريش . وهذا هو مذهب جماهير العلماء ، وحكى ابن جرير عليه الإجماع ، وعليه فلفظة ثم للترتيب الذكري بمعنى عطف جملة على جملة ، وترتيبها عليها في مطلق الذكر ، ونظيره قوله تعالى : فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) ثُمَّ

--> ( 1 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في التفسير حديث 4520 ، ومسلم في الحج حديث 151 و 152 .